السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
117
مفاتيح الأصول
ومنها ما تمسك به بعض من أنّه لو كان للتكرار لاستلزم كون كل عبادة ناسخة لما تقدمها مع المضادة والتالي باطل فالمقدم مثله بيان الملازمة أن التكرار يقتضي استيعاب الأوقات لأنه المفروض وهو غير ممكن لعدم اجتماع الضّدين فتعين النسخ وفيه نظر لأن جعل الأمر بالعبادة الثّانية قرينة على عدم إرادة التكرار من الأمر بالأولى أولى من جعله ناسخا على أنّه أخصّ من المدعى كما لا يخفى ومنها ما تمسك به بعض من أنّه لو كان للتكرار للزم التكليف بما لا يطاق لأنّ التكرار على الدّوام غير ممكن والتالي باطل وفيه نظر لأن اشتراط القدرة والإمكان يدفعه فتأمل ومنها ما تمسّك به بعض من أنّه لو كان للتكرار أو للمرّة لما حسن الاستفهام عنهما عند الإطلاق والتالي باطل وفيه نظر لأن حسن الاستفهام لعله للاستظهار ودفع الاحتمال مع أنّه لو تم لكان دليلا على الاشتراك اللَّفظي والمطلوب غيره فتأمل ومنها ما تمسّك به بعض من نصّ أهل اللَّغة على عدم الفرق بين تفعل وافعل إلَّا كون الأوّل خبرا والثّاني إنشاء ولما كان مقتضى الأوّل يحصل بغير تكرار فكذا الثاني وإلَّا لكان بينهما فرق آخر فلم يكن للتكرار وفيه نظر للمنع من ثبوت النصّ من أهل اللَّغة سلمنا ولكن نمنع من أن يفعل لا يدلّ على التكرار كيف وقد صرّح بعض المحققين بأن فعل المضارع يدلّ على استمرار التّجدد فعلى هذا لو صحّ النّص من أهل اللَّغة لكان حجّة للخصم عليكم ومنها ما تمسّك به بعض من أنّه لا خلاف بين الفقهاء فيما إذا أمر الرجل وكيله بطلاق زوجته في أنّه لم يكن له أن يطلقها أكثر من مرّة واحدة فلو كان للتكرار لوجب الزّائد عليها وهو خلاف الإجماع وفيه نظر لأن الإجماع هو الَّذي منع من التكرار ولولاه لكنا نقول به إلَّا أن يقال الإجماع دلّ على صحة الوكالة ولو كان اللفظ دالا على التكرار لكانت فاسدة لأنه توكيل في أمر ممتنع ويرجع الكلام حينئذ إلى مسألة فقهية وهي أنّه إذا وكل رجلا على طلاق زوجته مكررا فهل يقع الطلقة الأولى أو يفسد الوكالة فإن كان الأول فلا وجه للاستدلال جدّا ويحصل العجب من الشيخ في تعويله عليه وإن كان الثاني اتجه الاستدلال به في منع القول بالتكرار فتأمل وللقول الثاني وجوه أيضا منها أن الأمر والنهي اشتركا في الدّلالة على الطلب وإن كان المطلوب بالأمر الفعل وبالنّهي الترك ولما كان مقتضى النّهي التكرار فكذلك الأمر وفيه نظر أما أوّلا فلأنه قياس في اللَّغة وهو غير مسموع اللَّهم إلَّا أن يدعى الاستقراء في أن كل ما هو للطلب فهو للتكرار وفيه إشكال وأمّا ثانيا فلأنه مع الفارق فإن الانتهاء عن الفعل وهو الترك دائما ممكن بخلاف الفعل فإن الإتيان به دائما إما متعذر أو متعسّر وأيضا النّهي يقتضي النفي وهو للعموم بخلاف الأمر فإنه يقتضي الإثبات وهو لا يفيده وأيضا أن العموم يفهم من النّهي دون الأمر كذا قيل وأمّا ثالثا فللمنع من اقتضاء النّهي التكرار كما ذهب إليه جماعة وأمّا رابعا فلأنه قياس لأحد المتناقضين على الآخر وهو غير جائز وإن جاز القياس في اللَّغة كذا قيل وأمّا خامسا فلأن النّهي كنقيض الأمر فإذا اقتضى الأمر عدمه كذا قيل ومنها أن الأمر بالشيء نهي عن ضدّه والنّهي يمنع من المنهي عنه دائما فيلزم التّكرار في المأمور به وفيه نظر للمنع من اقتضاء النّهي الذي في ضمن الأمر المنع من المنهي عنه دائما بل يتفرّع على الأمر الَّذي هو في ضمنه فإن كان ذلك للدوام فهو له وإلَّا فلا وذلك واضح ومنها أنّه لو لم يكن للتكرار لما تكرر الصّوم والصّلاة قطعا وفيه نظر أمّا أوّلا فلأنّه ينتقض بما وجب مرّة كالحج وأمّا ثانيا فلأنّ مجرّد ثبوت التكرار في شيء لا يقتضي وضع اللفظ له لاحتمال ثبوته من الخارج بل هو في العبادتين قطعيّ إذ لو كان باعتبار الأمر لكان تكرارهما على حدّ واحد والتخالف فيه أوضح شاهد على أنّه من الخارج لا يقال الغالب في أوامر الشريعة التكرار فيلحق المشكوك فيه به لأنا نقول لا نسلَّم أن الغالب استعمالها فيه وثبوت غلبة تكرار أصل المأمور به لا يقتضي غلبة استعمال الأمر فيه لما قلنا من احتمال الثبوت من الخارج والغلبة الخارجية غير كافية لإثبات وجوب التكرار إلَّا على القول بحجّية الاستقراء بل وعليه لا يتجه التكرار أيضا إذ الاختلاف في المكررات الشّرعية يمنع ذلك لأن إلحاق المشكوك فيه بفرد دون آخر ترجيح بلا مرجّح وقد يقال إذا حصل ظن استقرائي بتكراره في الجملة فلا بدّ من الإتيان به إلى أن يحصل القطع بعدم الوجوب على احتمال أو إلى أن يرتفع ذلك الظنّ على آخر وعلى أيّ تقدير فالتكرار لازم فتأمل ومنها أنّه يفهم من أحسن إلى عشيرة فلان الدّوام وفيه نظر لأن الظاهر أن ذلك لأجل القرينة كما يظهر من النهاية ولولاها لمنعنا فهم ذلك ومنها أن قوله تعالى اقتلوا المشركين عام لكلّ مشرك فيلزم أن يكون قوله صلى الله عليه وآله صم عاما لجميع الأزمان لأن نسبة اللفظ إلى الأزمان كنسبته إلى الأشخاص وفيه نظر لأنه قياس مع أنّه مع الفارق فإن المشركين جمع معرف وهو للعموم ولا كذلك الأمر ومنها أنّه لو لم يفد التكرار لكان المكلَّف إذا ترك الفعل في الأول احتاج في الإتيان به في الثاني إلى دليل وفيه نظر لأن إطلاق الأمر كاف نعم لو قلنا بأنه للفور بمعنى أن قوله افعل بمنزلة افعل الآن لزم ذلك ولكن الاحتياج إلى الدّليل في ثاني الحال لا يستلزم الوضع للتكرار ومنها قوله عليه السلام إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم فإن المراد فأتوا ما أمرتكم به ما